Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

كلام حول المؤتمر الثالث لقوى الميثاق الوطني

الدكتور فارس الخطاب

ستعقد قوى الميثاق الوطني العراقي مؤتمرها الثالث في مدينة إسطنبول التركية بداية شهر تشرين الأول تزامنا واحتفاء بالذكرى الثالثة لإعلان هذه القوى في الثالث من شهر مارس /آذار 2019م وبعد مشاورات ومناقشات ولقاءات عديدة نتجت عنها تفاهمات وتوافقات حول صيغة وثيقة “الميثاق الوطني العراقي ” والتي مثلت في حقيقة الأمر مشتركات وطنية صادقة هي نتاج تجارب فكرية ومنهجية ونضالية لكل مكون من مكونات هذه القوى والتي تلبي في النهاية بشكل واضح لا لبس فيه مطالب الشعب العراقي بكل قومياته وأطيافه وأديانه.

إن العراق المحتل منذ عام 2003م وحتى الآن من قبل الولايات المتحدة وإيران على وجه الخصوص، أثبت شعبه من خلال تصديه المباشر والدائم لقوى الاحتلال ومن جاء أو تعاون معها فيما يسمى بـ “العملية السياسية” بأنه شعب حي، وأن محاولات ثنيه عن حقه في الحياة الكريمة والدولة المستقلة ذات السيادة الكاملة، زادت من روح المقاومة لديه وإصرار قواه الوطنية على التصدي والخلاص من هذا الكابوس الجاثم على صدور أبناء بلاد الرافدين لما يناهز العقدين من الزمن، وقد تجلى ذلك في حركة جماهيرية متصاعدة كان من أبرزها وأكثرها حضورا انتفاضة تشرين الباسلة والتي أجبرت أطراف دولية متنفذة في العراق المحتل وكذلك أرباب العملية السياسية الفاسدة على تغيير تكتيكاتها في العراق، وما علموا، وربما ظنوا، أن هذه التكتيكات ما عادت تجدي مع شعب لم يبق لديه ما يخسره وأنه كسر حاجز الخوف بدماء المئات وربما الآلاف من شبابه.

إن حجم القهر والظلم والفساد والتبعية لإيران في كل مفاصل قرارات حكومات العملية السياسية في العراق جمع القوى والأحزاب الوطنية على كلمة سواء أصلها “خلاص العراق وشعبه” وتقديم مشروع متكامل للبديل عن العملية السياسية الفاسدة يعيد العراق العظيم إلى شاطئ الأمن والحرية والسيادة والاستقلال. وقد عبر الميثاق والموقعون عليه عن مباركة وتثمين كل الجهود السابقة التي قامت بها القوى والشخصيات الوطنية، لا بل اعتبر الميثاق أن الأطر النظرية والنضالية للقوى المناهضة للاحتلال مثلت جوانب ملهمة لأسس هذا الميثاق، وخص منها بالذكر (ميثاق التفاهم والعمل الوطني للمؤتمر التأسيسي العراقي الوطني عام 2004، واللقاء التشاوري العراقي عام 2014م، والورقة الأساسية للمشروع الوطني العراقي عام 2015م. وهذا يمثل تطورا إيجابيا في العمل السياسي المقاوم الذي لا يبخس حقوق القوى والأحزاب المقاومة طيلة الأعوام السابقة.

وفي مرور سريع على أهم مرتكزات الميثاق نجد أنه خصص محورا مهما يخص الدولة والمواطنة وفق تصورات قوى الميثاق، حيث أكد على:
• هوية العراق الجامعة لكل أبنائه على مختلف قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم وأن العراقيين متساوون في المواطنة من حيث الواجبات والحقوق وأن العراق جزء من الأمتين العربية والإسلامية.
• أن العراق دولة واحدة لشعب واحد، بما يعني رفض الميثاق لأي محاولة لتجزئته وتقسيمه تحت أي مسمى أو مبرر.
• تثبيت حقيقة أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة وهو مصدر التشريع الأساسي.
• تأكيد عائدية كل الثروات في العراق للشعب العراقي وأن على الدولة المحافظة عليها وتنميتها بما يحقق التنمية والرفاهية لكل محافظات العراق على حد سواء.
• وفي إشارة مباشرة لموضوع القضية الكردية أكد الميثاق على حل كل المشاكل الخاصة بالقوميات المتعايشة في إطار وحدة العراق وسيادته دون المساس بالحقوق القومية لإبنائه.

لقد أكدت القوى المتآلفة والموقعة على الميثاق إن العملية السياسية في العراق وكل ما تمخض عنها وصدر منها ما هي إلا نتاج الاحتلال وتبعاته، وهي مسؤولة عما لحق بالعراق من خراب وإفساد وتفريط بالسيادة. كما أكد الميثاق على أن البديل هو إقامة نظام سياسي كامل على أسس وطنية تضمن التعددية والشرعية الجماهيرية له، يتم فيه التداول السلمي للسلطة والفصل بين السلطات ومنع الاستبداد والإقصاء والتهميش، يختاره الشعب عبر إرادة حرة. وفيما يخص الجيش العراقي رأى الميثاق ضرورة إعادة بناء القوات المسلحة العراقية وفق الأسس الوطنية التي كانت أساسا لكل تشكيلات الجيش العراقي بكل صنوفه منذ تأسيسه وحتى حله بقرار سيء الصيت من قبل بول بريمر.

كما عالج الميثاق موضوع الدستور الذي كتب بطريقة غير شرعية وفي ظل احتلال أمريكي مباشر، فأكد الميثاق على كتابة دستور جديد يمكن من خلاله إقامة نظام وطني سليم بعيد تماما عن التمايز الديني والمذهبي والقومي ويضمن حقوق جميع المواطنين بشكل واضح.

إن الموقعين على الميثاق أولوا موضوع المرأة والطفولة وحقوق الإنسان اهتماما بارزا؛ فأكدوا على دور المرأة في المجتمع وفي بناء الدولة وإعداد أبناء مؤمنين بقضية الوطن والولاء له. وأكد الميثاق أيضا على أن كل أبناء العراق يتمتعون بحقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية المقرة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بما لا يتنافى مع قيم المجتمع العراقي وثوابته الدينية.

لا أريد أن أسرد كل تفاصيل الميثاق، وإن كان من الضرورة بمكان أن يكتب بصيغة ” كتاب الجيب” ليحمله كل عراقي يريد منهجا للتحرير وما بعد التحرير، لكن الفكرة التي يجب أن تكون محور المؤتمر الثالث برأيي هي الإجابة عن التساؤل الآتي وبناء النقاشات بشكل موضوعي داخل أروقة المؤتمر حول الإجابات المتحصلة عنه. السؤال المطروح أولا: ما الذي تحقق من جهود فعلية لتفعيل بنود الميثاق؟ ثم يستنتج منه سؤالا آخرا يبدو بالغ الأهمية أيضا وهو : أين حضور قوى الميثاق في الحراكات الجماهيرية التي تمثل فرصة لإبراز شعارات وأهداف كتبها الميثاق بعناية فائقة لتعبر عن إرادة الشعب وإيصاله إلى مرحلة الثورة؟.

مقال خاص براسام

Exit mobile version