السيناريو الثاني: استمرار الناتو بتقديم الأسلحة لأوكرانيا لاستنزاف روسيا وتأخير انتصارها:
أولا: يبدو بأن الولايات المتحدة الأمريكية مصرة على المضيء قدماً في دعمها للقوات الأوكرانية بأسلحة ومدفعية ومنظومات صواريخ جوية وبرية وبحرية متطورة لمواجهة روسيا في أوكرانيا، وقد أرسلت واشنطن الكثير من الاسلحة والمعدات العسكرية الثقيلة والمتوسطة، ومنها منظومتين من طراز “نسماس” أرض جو، و (4) رادارات مضادة للمدفعية، و(150) ألف طلقة مدفعية عيار 155 ملم، وذخائر مدفعية وراجمات صواريخ (هاي مارس) يصل مداها الى أكثر من (80) كم، بحيث تحولت أوكرانيا الى ساحة تستنزف الغرب وروسيا بنفس الوقت، ولولا أرسال هذه الاسلحة لسقطت اوكرانيا بيد روسيا منذ زمن، كما أنه لولا تدفق هذه الاسلحة والمعلومات الاستخبارية لكان أداء الاوكرانيين أضعف بكثير مما هو عليه الآن، ولأصبح من الصعب على اوكرانيا مواجهة التفوق العددي والتكنلوجي الروسي، خصوصاً وإن حلف الناتو في قمته السابقة في آذار عام 2022 م دفع بالكثير من التعزيزات العسكرية لدول الحلف على جناحه الشرقي، ورفع من جاهزية الحلف بوضع (40) ألف جندي تحت تصرف القيادة المباشرة للناتو، كما نشرت الولايات المتحدة الامريكية (100) الف جندي، تدعمهم قوات جوية وبحرية وحاملة طائرات، كما شمل الاستنفار (130) طائرة حربية بجهازية دائمة، و (140) قطعة بحرية تواجدت في الجناح الشرقي من أوروبا، أما الجنود فقد توزعوا على ثماني مجموعات قتالية متعددة الجنسيات وزعت من بحر البلطيق في الشمال الشرقي الى البحر الاسود، وقد أتخذ الحلف من المانيا مركزاً لوجستياً لإعداد الجنود قبل الانتشار.
ثانيا: لقد أتخذت دول حلف “الناتو” في قمتها الاخيرة في إسبانيا الكثير من القرارات المهمة فيما يخص المفهوم الاستراتيجي لعشر سنوات قادمة، والتي تضمنت زيادة حجم قوات التدخل السريع الى(300) ألف جندي، وزيادة الدعم السياسي والعسكري لأوكرانيا على المدى القريب والبعيد، ونشر قوات أضافية للقتال على الجناح الشرقي للحلف، كما حدد الحلف فيها بأن موسكو تعتبر التهديد الأخطر للحلف، بينما أتخذ من الصين كهدف نهائي له والتي وضعها تحت تصنيف تحدي وتهديد متصاعد وخطر مستقبلي يثير القلق لدى لدول الناتو، وهذا يعني استعداء للصين أيضاً، الأمر الذي سيثير ردات فعل كبيرة، بما فيها التقارب الصيني الروسي، على الرغم من إن الصين تتبع سياسية مستقلة عن روسيا، وتميل الى الاقتصاد في التعامل مع الدول أكثر من أي شيء أخر، لذا فنحن أمام أصطفافات متبادلة ومضادة، وأمام تصعيد عسكري خطير ومتبادل، وهناك تهديد روسي واضح باستخدام الاسلحة النووية، ومما زاد الطين بلة هو انضمام فنلندة والسويد لحلف الناتو، مما يعني بأن روسيا ودخولها الحرب مع أوكرانيا لم يجلب لها الأمن فيما يخص وجود حلف الناتو على حدودها، لذا فروسيا ستعتبر كلا الدولتين عدوين مرشحين لها وهذا سيدفعها لأتخاذ اجراءات لتعزيز قدراتها العسكرية من خلال تعزيز ونشر منظومات صواريخ “سارماد”، ودخول منظومات صاروخية مضادة للسفن في الجيش الروسي، ومضاعفة عدد قواتها العسكرية، والعودة لتطوير قدراتها التكنلوجية، بالأضافة الى نشر منظومات صواريخ أستراتيجية تحمل رؤوس نووية تكتيكية، مما يعني بأننا أصبحنا على أعتاب الحرب العالمية الثالثة.
السناريو الثالث: التدخل العسكري والاجتياح الصيني لتايوان: يبدو بأن أجتياح الصين لتايوان هي مسألة مفروغ منها، وهي مسألة وقت فقط، وقد بدأت الصين تمهد لذلك بشكل علني وصادم، حيث تصدرت عناوين الصحف الرسمية لبكين معلومات وعناوين تفيد بأن الحرب العالمية الثالثة على الأبواب، ويمكن أن تندلع في أي وقت ومنطلقها بحر الصين وغزو “تايوان” التي حذرت من أنها ستكون الضحية المقبلة في أي حرب مع الصين، والتي ستكون لها تداعيات كارثية على الكثير من بلدان المنطقة، التي تعتبر تحت التهديد الصيني المباشر مثل أستراليا، وكوريا الجنوبية، واليابان، ورغم ذلك فقد أشارت الصحف الصينية الى أستعدادها لخوض هذه الحرب الكارثية، وهنا نود أن نشير الى إن بكين قد تكون قادرة على أجتياح وضم تايوان بسهولة، ولكنها من المؤكد لن تكون قادرة على مواجهة حلفاء تايوان في هذه الفترة، وهذا يعني بأن الصين تعد العدة لمواجهة الدول التي تقف ورائها ومنها التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي تتبنى مواقف داعمة ومساندة ومدافعة عن تايوان، وهناك رسائل عسكرية وسياسية وأقتصادية متبادلة بين الدوليتين العظمى حول تايوان، وكان أخراها الأختراق الصيني الكبير والغير مسبوق للأجواء التايوانية حيث حلقت أكثر من(150)طائرة مقاتلة صينية فوق الأجواء التايوانية كردة فعل على تشكيل التحالف الأمني الثلاثي (أوكوس)الذي تعتبره بكين أستهداف مباشر لها، وكذلك على بعض التصريحات الأمريكية وأخراها تصريح الرئيس الأمريكي “جو بايدن” والذي تضمن تعهد واشنطن بالدفاع عن تايوان ضد أي هجوم صيني، وكذلك قيام واشنطن بنقل معمل الرقائق الإلكترونية من تايوان للولايات المتحدة الأمريكية، مما يعني قد تكون الخطوة القادمة ستكون هي المواجهة العسكرية التي قد تكون الشرارة للحرب العالمية الثالثة.
والتطور الجديد هو زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي “نانسي بيلوسي” لتايوان، الأمر الذي حول الوضع في مضيق تايوان الى وضع خطير جداً، كما إن هذه الزيارة عجلت من الخيار العسكري الصيني للسيطرة على الجزيرة وتغير الوضع القائم، وقد وصف نائب وزير الخارجية الصيني “شيه فنغ شيه” هذه الزيارة بـ”الشنيعة للغاية بطبيعتها وعواقبها وخيمة جداً”، وقد بدأت بوادر التصعيد بإعلان الصين عن مناورات عسكرية في المياه الإقليمية المحيطة بتايوان تستمر من 4 الى 7 أب/أغسطس، وتشارك في هذه المناورات سفن حربية، وفرقاطات، ومدمرات، وطائرات مقاتلة، وقاذفات أستراتيجية، وصواريخ باليستية حلقت فوق تايوان في أكبر استعراض للعضلات العسكرية من بكين، ويمكن أن تتجدد هذه المناورات الى منتصف أب/أغسطس ، وقد جرت هذه التدريبات العسكرية في أكثر طرق الشحن العالمي نشاطاً، وقد كان لزيارة “بيلوسي” تداعيات كبيرة منها إن الصين أوقفت الاتصالات بين القادة العسكريين، وعلقت التعاون فيما يخص المهاجرين غير الشرعيين، ومكافحة المخدرات، والمناخ، كما أوقفت صادرات الرمال الطبيعية الى تايوان، وأوقف استيراد الأسماك والفواكه من الجزيرة، ويبدو بأننا نسير نحن الخيار العسكري والاجتياح الصيني لتايوان، والذي سيكون مكلف أقتصادياً وعسكرياً لجميع الأطراف التي ستشارك في النزاع بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية وخيار الحرب النووية.
الخاتمة:
يبدو أن حدة التوتر تزداد في مناطق مختلفة من العالم فهناك الحرب الروسية-الأوكرانية التي لا زالت تداعياتها مستمرة على دول كثيرة من العالم، وخاصةً الدول الأوروبية التي تسببت في أزمة اقتصادية كبيرة لها، كما أدت الى ارتفاع أسعار الطاقة، والمواد الغذائية، وخاصة القمح وزيت الذرة، كما إن هناك توتر كبير في منطقة المحيطين الهادئ والهندي بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من جهة وبين والصين وحلفائها من جهة أخرى، وما تقوم به واشنطن من تشكيل وبناء وأحياء تحالفات أمنية واستخبارية واقتصادية في مناطق جغرافية مختلفة من أسيا الوسطى هو لمحاصرة روسيا والصين لعزلها وتطويقها، كما إن ما يجري من تطورات وتوترات عسكرية بمنطقة المحيط الهادئ هو جزء من التهيئة والتحضير لمسرح العمليات العسكرية المقبلة والتي ستكون حرباً بحرية وجوية بأمتياز، والدليل على ذلك هو تزويد أستراليا بقدرات عسكرية بحرية نووية وصواريخ بعيدة المدى كجزء من الاتفاقات التي تم إبرامها لتشكيل هذا التحالف الأمني الثلاثي “أوكوس”، وقد أشاروا القادة الثلاثة لهذا التحالف إلى وجود مخاوف أمنية إقليمية حقيقة قالوا عنها بأنها “نمت بشكل كبير” على مدار السنوات الماضية.
إن هذه التطورات دفعت الولايات المتحدة الأمريكية للتفكير بجدية عالية لكبح النفوذ الصيني المتنامي في هذه المنطقة الحيوية، وخاصةً بحر الصين الجنوبي الذي أصبح يشكل خطراً كبيراً على المصالح الأمريكية ومصالح حلفائها في هذه المنطقة، حيث تحولت هذه المنطقة الى بؤرة ساخنة للتوترات على مدار السنوات الماضية بسبب المصالح والنفوذ والتنافس الدولي، خصوصاً بعد إن قامت الصين ببناء الكثير من الجزر الأصطناعية في بحر الصين الجنوبي لتقيم عليها مطارات وقواعد عسكرية متقدمة والتي أصبحت بمثابة خطوط عازلة للبر الصيني، كما إن التهديد الصيني باجتياح تايوان يثير قلق الولايات المتحدة الأمريكية التي تعهدت بالدفاع عسكرياً عنها في حالة تعرضت لهجوم صيني، ويبدو بأن زيارة نانسي بيلوسي الى الجزيرة عجلت من الخيار العسكري بالاجتياح لضم الجزيرة الى الصين، كما إن دعم أستراليا من قبل لندن وواشنطن لبناء تحالف بحري يثير مخاوف الصين وقد صرح وزير الخارجية الأمريكي” أنتوني بلينكن” إن الولايات المتحدة تدعم بقوة أستراليا في تنمية قدراتها الدفاعية ضد الصين.
إن هذا التحالف الأمني قد كشف عن تصدع كبير في العلاقات الأوروبية-الأمريكية وخاصة الفرنسية التي تكبدت خسائر اقتصادية وعسكرية وسياسية كبيرة، بسبب تداعيات هذه التحالف الذي أطاح بصفقة الغواصات الفرنسية-الأسترالية، مما يجعل العلاقات متوترة وغير مستقرة رغم الشراكة الاستراتيجية بينهما في ملفات كثيرة، كما إن هذا التحالف أخل بالتوازنات الإقليمية في المنطقة وأطلق العنان لسباق تسلح جديد، مما يزيد من حدة التوتر في هذه المنطقة التي تعج بالتوترات بين دول المنطقة مما يجعلها المسرح القادم للحرب العالمية الثالثة، علماً بأن الحرب الروسية-الأوكرانية فرضت متغيرات كثيرة وخطيرة ومنها أعادة العلاقات بين دول حلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية والتي تصدعت بشكل كبير في عهد الادارة الأمريكية السابقة بقيادة “ترامب” وهي تسعى جاهدة مع بريطانيا لإبقاء الدول الأوروبية تحت سيطرتها وألا سيكون موازين القوى يميل لروسيا والصين في حال خرجت بعض الدول الاوروبية من تحت عباءتها وخاصة فرنسا وألمانيا.

