Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

صراع الكبار (تحالف أوكوس) دلالات ومؤشرات ترسم ملامح المواجهة المقبلة( الحلقة الخامسة)

دول رافضة لهذا التحالف الأمني:
يبدو بأن هذا التحالف أثار حفيظة الكثير من الدول في العالم وليست الصين فقط ومنها: كوريا الشمالية التي توجست بشكل كبير من هذا التحالف، وهدد رئيسها قائلاً: “بأن هذا التحالف قد يدفعنا للرد بالمثل، وتشكيل تحالفات جديدة في هذه المنطقة الساخنة، كما أنه يخل بالتوازن الاستراتيجي في المنطقة، ويطلق سباق التسلح من جديد، كما أعتبرها بأنها صفقة خطيرة”، الأمر الذي سيجعلنا أمام حرب باردة جديدة في المنطقة، حيث أنتقدت إيران بشدة ما أسمته “المواقف المزدوجة” من واشنطن ولندن والمتمثلة بأبرام اتفاقية أوكوس “، التي تنص على بيع (8) غواصات تعمل بوقود نووي بنسبة تخصيب تزيد عن(90%)الى أستراليا، بينما تمنع إيران من ذلك، وهذا يخالف القضايا المتعلقة بأتفاقية نزع السلاح النووي والحد من أنتشاره في العالم، كما أعلنت رئيسة الوزراء نيوزيلندا “جاسيندا أردرن” أن بلادها طالما رفضت أستخدام الطاقة النووية، ولن تسمح للغواصات الأسترالية التي تعمل بالطاقة النووية، من دخول مياهها الإقليمية، وأضافت “بأن موقف نيوزيلندا بشأن الحظر المفروض على الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية في مياهنا، لم يتغير” وهو أنتقاد أخر لهذه الصفقة الأمنية، كما أعربت إندونيسيا وماليزيا عن تحفظات جدية بشأن استحواذ أستراليا على غواصات تعمل بالطاقة النووية بموجب الاتفاق الأمني الثلاثي، وزاد على ذلك وزير الخارجية الماليزي “سيف الدين بن عبد الله ” في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيرته الإندونيسية “ريتنو مارسودي” أن “هذا البلد ليس لديه القدرة على إنتاج أسلحة نووية ، فإننا قلقون وقلقون”، علماً بأن الهند واليابان دعموا تشكيل هذا التحالف كونه يركز على الصين.

كيف استوعبت واشنطن تداعيات تشكيل التحالف الأمني:
لقد عملت المؤسسة الدبلوماسية لواشنطن على أحتواء واسترضاء وتهدئة العاصفة الفرنسية- الأوروبية حول هذه الأزمة بعبارات سياسية ودبلوماسية لا قيمة لها أمام هذه الخطوات المتتالية التي أضرت بمصالح باريس وأوروبا، حيث يقول المتحدث بأسم وزارة الخارجية الأميركية “نيد برايس إن فرنسا “حليف حيوي”، وإن الولايات المتحدة ستعمل في الأيام المقبلة على حل الخلافات معها، وهذا الكلام لا قيمة له على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي كونه لا يترتب عليه أي التزام يمنع المساس بالمصالح الفرنسية أو يعيد أليها بعض ما فقدته في الفترة الماضية، لذا سيبقى السؤال المهم هل تستغل الصين هذا الخلاف لترتيب مصالحها مع فرنسا وجرها أقتصادياً وكيف؟، أم إن فرنسا ستعمل على أضعاف التعاون والتنسيق العسكري مع واشنطن ؟، وهل سيؤثر ذلك على مصالحها في مناطق أخرى أم لا؟، أم سيدفعها هذا التحالف الى الاستقلال بالقرار الأوروبي وتعزيز مفهوم جديد للاستراتيجية الأمنية لدول الاتحاد الأوروبي بما فيها تشكيل قوة عسكرية مستقلة للاتحاد؟، أم سيتم مراجعة وتحديد المفهوم الاستراتيجي لدول حلف الشمال الأطلسي(الناتو)بناءً على هذه المتغيرات والتطورات الجارية في المنطقة؟، وأنا في تقديري لن تقدم فرنسا على أي خطوات تصعيدية ضد واشنطن وأستراليا لتشابك المصالح معها، وهي تدرك بأنها لن تكون قادرة على الوقوف بوجه النفوذ الصيني أو الروسي مالم يكن هناك موقف وتعاون أمريكي حازم في ذلك، وإن أي خطوة أوروبية ستكون داعمة للخيار الأمريكي للوقوف بوجه النفوذ الصيني المتنامي وخاصة على المدى البعيد.

الأهداف الأسترالية من دخول تحالف الغواصات:
لاشك بأن دخول أستراليا لهذا التحالف العسكري البحري جاء لمصالح راجحة لدى “كانبيرا” التي ستحصل بموجبه على قدرات عسكرية، وتقنية، وتكنولوجية متطورة، بعد إن التزمت الولايات المتحدة الأمريكية بموجب هذا الأتفاق بتزويد أستراليا بـ(8)غواصات حربية من طراز “فرجينيا” تعمل بالطاقة النووية وأسلحة تقليدية، وهذا يعني بأن هناك نقلة نوعية في القدرات العسكرية الأسترالية الفنية، والتقنية، والتكنولوجية، علماً بأن طاقم الغواصة “فرجينيا” يتكون من(15)ضابط و(117)جندي، وأنها مزودة بمفاعل نووي واحد يعمل بالماء المضغوط بقوة تصل الى(210)ميغاواط، قادر على تزويدها بكمية كبيرة من الطاقة تمكنها من التحرك بسرعة عالية، والبقاء لأشهر وهي مغمورة بالمياه دون الحاجة الى الظهور فوق سطح الماء، على عكس الغواصات التقليدية التي تعمل عادة بالديزل وزيت الديزل الذي يضطرها للظهور فوق سطح الماء للرسو والتزود بالوقود والهواء والغذاء، بسبب مدة بقائها القليلة تحت سطح الماء، والتي غالباً ما تكون لعدة أيام أو ساعات خصوصاً أذا تحركت بسرعة عالية، بينما لا تحتاج الغواصات النووية من هذا النوع إعادة تزويدها بالوقود النووي طيلة مدة عمرها الافتراضي البالغ(25-30)سنة، علماً بأنها تستخدم في مجالات متعددة منها العمليات الاستخبارية، وجمع المعلومات، والعمليات الخاصة لصعوبة اكتشافها من قبل الأساطيل البحرية التي تعمل بالطاقة التقليدية، فضلاً عن قدرتها على إطلاق صواريخ لمسافات بعيدة، لذا فمن أهم الأهداف الأسترالية من هذا التحالف ما يلي:  

·      دعم الأمن القومي الأسترالي من خلال حصولها على قدرات عسكرية دفاعية كبيرة تمكنها من الدفاع عن نفسها بما فيها مواجهة التغول الصيني في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، خصوصاً مع تحديد نقاط وخطوط قالت الصين بأنها لن تسمح لأحد من المساس بها أو تجاوزها.

·      تعزيز القدرات العسكرية الأسترالية لتمكينها من تنفيذ ضربات بعيدة المدى بالحصول على صواريخ كروز من طراز “توما هوك” بعيدة المدى، كما ستزوّد المدمّرات البحرية الملكية الأسترالية من فئة “هوبارت”، بصواريخ جوّ-أرض للمواجهة المشتركة.

·      تسهيل تبادل المعلومات، والابتكارات التكنولوجية، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة الإلكترونية تحت الماء، والتعاون بجميع المجالات العسكرية والاستخبارية بين دول التحالف، من خلال الحصول على أنظمة وتقنيات فنية متطورة يمكن لها أن تعمل كمنظومة واحدة ومتكاملة.

·      التعاون الثلاثي في مجال الأنظمة السبرانية، والدفاع السبراني، والأمن الإلكتروني، وتعزيز القدرات الدفاعية، وفتح الطريق أمام حصولها على معدات عسكرية متطورة.

·       إن تزويد أستراليا بغواصات نووية يأتي ضمن خطة تهيئة مسرح العمليات المقبل والاستعداد للحرب القادمة، وهو جزء من خطة الردع النووي الاستراتيجي لدول التحالف في هذه المنطقة المهمة، والتي يمكن تجهيزها بسلاح نووي متى ما تطلب الموقف ذلك.

·      يهدف التحالف الجديد الى تطويق وعزل الصين عن محيطها الإقليمي، ومواجهة نفوذها المتصاعد في هذه المنطقة لتقييد حركتها في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، لكبح الطموحات الصينية التي باتت غير مقبولة في هذه المنطقة المهمة، والتي يجب ان تكون حرة ومفتوحة من خلال عدم السماح لبكين بالهيمنة عليها.

الدوافع الأسترالية لإلغاء صفقة الغواصات الفرنسية:
إن الدوافع الأسترالية للحصول على غواصات تعمل بالطاقة النووية كثيرة، ومنها أنها ضرورة أمنية ودفاعية، مما يعني بأن قواتها العسكرية البحرية ستتمتع بقدرات ومواصفات قتالية عالية جداً، كما أنها ستحصل بموجب هذا التحالف على الكثير من الاسلحة والقدرات العسكرية بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، وكذلك التقنيات التكنولوجية المتطورة، والأمن السبراني بما يمكنها من أن تكون رأس الحربة في هذا التحالف الأمني لمواجهة الصين، الأمر الذي ترتب عليه ألغاء صفقة كبيرة لشراء غواصات فرنسية تقليدية من طراز “أتاك كلاس” من مجموعة “نافال غروب” الفرنسية بقيمة تصل الى أكثر من(56)مليار دولار، الأمر الذي أثار حفيظة فرنسا بشكل كبير جداً، لذا فمن أهم الدوافع والمبررات الأسترالية لفسخ عقد الغواصات الفرنسية ما يلي:

·      لقد صرح رئيس الوزراء الأسترالي “سكوت موريسون” حول دخول بلاده في هذا التحالف الأمني مدافعاً عن قراره السيادي بأنه جاء للدفاع عن المصالح الأستراتيجية لبلاده خصوصاً مع تزايد النفوذ الصيني بالمنطقة ، الأمر الذي دفعه للتخلي عن صفقة شراء الغواصات الفرنسية واستبدالها بغواصات تعمل بالدفع النووي من واشنطن، لأنه قال:” إن المخاوف لدى حكومته كانت عميقة وخطيرة تجاه الغواصات الفرنسية التقليدية” التي لا تلبي الطموحات العسكرية الأسترالية مع تزايد التحديات والتهديدات بهذه المنطقة الساخنة، الأمر الذي دفعنا للتراجع عن هذه الصفقة، وأضاف بأن هذه الشراكة تخدم مصالحنا الوطنية والسلم في المنطقة، لذا نحن نتفهم الغضب الفرنسي حول هذه القضية.

·      إن أستراليا ترى بأن فسخ العقد المبرم مع فرنسا حول شراء غواصات تقليدية مرتبط بالقراءة الجديدة للواقع والاحتياجات الأسترالية والمصلحة القومية، التي جاءت بناءاً على نصائح أستخبارية قدمت للحكومة حول هذه القضية التي تعتبر قضية أسترالية داخلية، وقد رفض الرئيس الأسترالي “سكوت موريسون” الاتهامات الموجهة إلى بلاده بالكذب، قائلا:” إن فرنسا كان ينبغي لها أن تكون مدركة أن بلاده مستعدة لإلغاء الاتفاق” خصوصاً وإن الصفقة الأمريكية الأسترالية كانت مغرية ومهمة “لكانبيرا”.

·      إن هذا التحالف سيجعل أستراليا تحصل على أسلحة وقدرات عسكرية متطورة، بما فيها الدخول للنادي النووي، وهي تعبد الطريق للحصول على أسلحة نووية مستقبلاً ، كما أنها تخطط لبناء استراتيجيات بعيدة المدى لتعزيز قدراتها الدفاعية، بما فيه تعزيز الشراكة العسكرية والاقتصادية مع واشنطن وبريطانيا لأمور تتعلق بأستراتيجية الردع، وتنمية القدرات الدفاعية، من خلال أقتنائها أسلحة وصواريخ بعيدة المدى، بالإضافة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، والأمن السبراني، لذا فأستراليا ترى أن مصالحها مع الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من فرنسا.  

الغواصات النووية وميزان القوى البحرية العالمية:
تكتسب الغواصات النووية أهمية كبيرة في حروب المستقبل، كونها تعتبر من أشد الأسلحة فتكاً في العصر الحديث، لسرعتها العالية، وقدرتها على المناورة الواسعة، والتخفي تحت الماء لمدة طويلة تصل الى ثلاثة أشهر دون الحاجة للظهور فوق سطح الماء، بالإضافة لقدرتها على حمل ترسانة كبيرة من الأسلحة والصواريخ النووية، علماً بأنها لم تدخل في حرب فعلية لأثبات ذلك الى الآن، ولكنها أعدت لتنفيذ مهام وواجبات غير تقليدية، لذا فهي عالية التكلفة، وذات قدرة تدميرية كبيرة، فغواصة أمريكية واحدة من طراز “أوهايو” تستطيع أن تدمر (288) مدينة وتحولها لـ رماد مشع بأقل من (30) دقيقة، ويشير ميزان القوى العالمية حسب المعلومات العسكرية والاستخبارية الى وجود أكثر من (152) غواصة تعمل بالطاقة النووية، حيث نشرت “مجلة نيوزويك الأمريكية” بأن الأسطول الأمريكي يمتلك (68) غواصة تعمل بالطاقة النووية، بينما تمتلك فرنسا (10) غواصات نووية، في حين تمتلك بريطانيا(6)غواصات نووية، كما تشير تقارير وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” لعام 2020بأن الأسطول الصيني يتكون من (60) غواصة، منها (10)غواصات تعمل بالطاقة النووية، بينما تمتلك روسيا (58) غواصة، من بينها (37) غواصة تعمل بالدفع النووي.

تشير المعلومات وفقاً لتقديرات الخبراء العسكريين على موقع “ناشيونال إنترست” بأن الغواصة الأمريكية “أوهايو” تأتي على رأس الغواصات الأمريكية والأكثر تدميراً، ولكنها ستصل الى نهاية عمرها الافتراضي البالغ (42)عاماً خلال سنوات، وقد بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بتشييد وبناء الغواصة “كولومبيا” وهي أكبر حجماً من الغواصة “أوهايو” وذات قدرة تدميرية كبيرة، وتستطيع حمل (16) صاروخ من طراز “ترايدنت 2دي5″، وسيدخل الخدمة في عام2031، علماً بأن المعلومات الاستخبارية تشير الآن الى وجود (9) غواصات من طراز “أوهايو” في المحيط الهادئ والهندي موزعة على أربعة موانئ بحرية للحد من النفوذ الصيني، مما يجعلنا نقول بأن هذه المنطقة الجغرافية أكتسبت أهمية كبيرة لدى واشنطن في هذه المرحلة، مما دفعها لنقل وتركيز قواتها العسكرية فيها، بينما تتواجد لديها (4) غواصات نووية في منطقة المحيط الأطلنطي والشرق الأوسط الذي تراجعت أهميته في سلم الاستراتيجية العسكرية الأمريكية وهي موجهة ضد روسيا، مما يجعل ميزان القوى مختل بشكل كبير لصالح الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها .

 

                                                                                             

Exit mobile version