Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

دراسة أنماطها ومناهجها.. محاضرة حول مصادر ثورة العشرين

نظم مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية (راسام) ضمن أنشطته المتواصلة والندوات الدولية، محاضرة في مقر المركز بمدينة إسطنبول التركية، تحت عنوان (مصادر ثورة العشرين.. أنماطها ومناهجها).
وقدم المحاضرة التي انعقدت اليوم الأربعاء (24 يوليو/تموز 2024) د. مثنى حارث الضاري، مسؤول القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين في العراق، وسط حضور نخبة من الأكاديميين والباحثين المهتمين، فضلاً عن شخصيات إعلامية واجتماعية.

أهمية البحث في الثورة
وتحدث الدكتور الضاري في بداية محاضرته عن الجوانب المهمة في ثورة العشرين، التي تحظى باهتمام كبير نظراً لمعانيها وقيمها وحوادثها التاريخية ونتائجها المستمرة حتى اليوم، كما ركز على المصادر التي وثقت الثورة، في ظل ما يعيشه العراق اليوم والهجمات التي تطال الثورة وتحرف تاريخها.
وذكر أن الأسابيع الأخيرة شهدت هجمة شرسة من بعض الأطراف على ثورة العشرين ورموزها الوطنية، في محاولة قراء الثورة تدعي بأنها قراءة جديدة، لها أهداف أخرى وقد تكون معلومة.
وأضاف الدكتور مثنى أن هذه الهجمات كشفت عن جهل واسع وممتد لكثير ممن يتحدثون عن الثورة، بعد أن كانت حديثاً معلوماً لكثير من العراقيين، لكن برزت كتابات غير صحيحة وغير دقيقة، واكتفى كثير من الناس بالمعلومات العامة عن الثورة التي حدثت في العشرينيات وما يتعلق بها بشكل عام كالموجودة في المناهج التدريسية.
وشدد على أهمية أن يحتاط الباحثون والمهتمون بمعلومات شاملة عن ثورة العشرين، أو على نسبة كبيرة من المعلومات التي تتيح لهم التحدث عنها أو إبداء رأي جديد عنها أو طرح موقف أو معلومة ما عن أحداث الثورة.
وأشار الدكتور الضاري إلى أن كتب الثورة كثيرة ومتوفرة بشكل كبير، كما أن الدراسات الحديثة منتشرة حولها، والمعلومات متاحة للجميع في ظل توفر وسائل التقنية الحديثة، وأصبحت في متناول جميع الأوساط.

مؤلفات تاريخية
ولايزال الحديث عن مصادر ثورة العشرين مستمر منذ بداية التوثيق المقصود لأحداث الثورة في أوائل العشرينيات الميلادية من القن الماضي وحتى اللحظة، ومازال هذا المبحث العلمي مهماً وخصباً، وفق الدكتور الضاري.
وحظيت الثورة بكتابات مبكرة جداً، وكان أول كتابة كتب عنها باللغة الانجليزية عام 1922، كما كتب على الصعيد العربي كتب مبكرة عنها، مثل الكتاب المشهور (الثورة العربية الكبرى) لأمين سعيد.
أما على الصعيد العربي، بيّن الدكتور مثنى أن أول ما كُتب حول الثورة كان للشيخ محمد مهدي البصير في كتابه (تاريخ القضية العراقية) سنة 1923، والذي كان مشاركاً فيها، إذ ونبه على هذا الكتاب عبد الرزاق الحسني في كتابه (الثورة العراقية الكبرى، 1935م)، وكذلك الشيخ فريق مزهر الفرعون في كتابه (الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920 ونتائجها، 1952م).
واعتبر الضاري أن كتاب الشيخ البصير حول ثورة العشرين، يعد من أوثق المصادر لقرب إعداده من زمن الثورة ومشاركته فيها أيضاً، وتجرده من الحزبية التي أشار لها في الكتاب، والذي كانت مصادره تتمثل في كتب عربية وإنجليزية، وصحف، ومذكراته الشخصية، وشهادات المشاركين في الثورة.
ولفت إلى أن البصير كان من أبرز المترجمين العراقيين مطلع القرن العشرين، وقد ترجم كتب عدة عن أحداث الثورة، وكانت لغته العربية عالية جداً، وكان منهجه في الترجمة تحسين العبارات والعناوين لما يناسب القارئ العراقي والعربي.
ويشير الدكتور مثنى إلى المصدر الآخر للثورة، الذي كتبه السيد عبد الرزاق الحسني وقال في مقدمة كتابه: “إن تاريخ الثورة العراقية مفعم بالحوادث والنتائج الغريبة المتباينة فلا يدري قارئ فصولها أيبكي لمناظرها وما تلف فيها من دماء غالية عزيزة وأشلاء مقطعة كثيرة وإمارات جسيمة عديدة أم ُيسر لنتائجها وما اسبغته على هذه البلاد السعيدة من زوال حكم احتلالي مطلق وتلاشي إدارة عسكرية مستبدة وقيام دولة مستقلة وحكومة وطنية تستمد سلطانها من دستور وبرلمان”.
وأشار الحسني في كتابه إلى أن “هناك فريقاً كان من الذين اندسوا في هذه الثورة للاستغلال لا الاستقلال، يشوه محاسن وجه هذه الحركة، ويطعن في رجالها…، ويحاول إسناد وقائعها إلى أناس لم يكونوا في العير ولا في النفير”.
وبيّن الضاري أن هناك كانت محاولات مبكرة لتشويه صورة الثورة، ولا سيما ممن كانوا في سدة الحكم حينها إرضاءً للإنجليز، وهو ما له آثار حتى الآن عن طريق من ينتقصون من الثورة؛ وإنْ كانت الدوافع مختلفة بينهم.
ومن المصادر البارزة للثورة العراقية في العشرينيات أيضاً كانت مؤلف الدكتور زكي صالح، أستاذ التأريخ في جامعة بغداد، فضلاً عن كتب ومؤلفات أخرى وثقت الثورة ومحطاتها وتفاصيلها.

أنماط مصادر الثورة
وأوضح الدكتور مثنى في محاضرته بأن أنماط المصادر التي وثقت أحداث ثورة العشرين تنقسم لأنواع عدة، أولها من حيث جنس المادة التاريخية، والتي تكون في شكلين، إما مكتوباً، مثل الكتب والتقارير والبحوث والرسائل وما كان يكتب في وسائل الصحافة التي كانت متاحة، أو تكون شفوية، كالشهادات المنقولة.
ويضيف بأن النمط الثاني يأتي من حيث طبيعة المادة التاريخية، وينقسم إلى أنواع، أولها الوثيقة، وهي كثيرة جداً، وغالب تاريخ الثورة قائم عليها، مثل مراسلات الثوار وتقاريرهم، ومخاطبات قوات الاحتلال، ومنشوراتها وإعلاناتها للناس.
ومن الأنواع الأخرى ضمن النمط الثاني، “شاهد عيان على الثورة”، مثل منقولات محمد مهدي البصير، وفريق مزهر الفرعون، وفيها شهادات كثيرة عبر رسائل مع المشاركين في الثورة أو القريبين منها، كشهادة جميل المدفعي للحقائق الناصعة، وعبد الحميد الدبوني وعبد المنعم الغلامي للأيوبي.
أما النوع الثالث يوضحه الدكتور الضاري بأنه النص المكتوب، والذي يتمثل في أن يكون كتاب أو دراسة أو مقال أو تقرير صحفي، وما أشبه ذلك، وهذا النوع كثير.
ويتابع: أما الأنماط من حيث ناشر المصدر، فهي من أنواع ثلاثة، أولها مشارك في الثورة، مثل الشيخ محمد مهدي البصير، وكتاب الوقائع الحقيقية للثورة العراقية لعلي البزركان، ومذكراتي عن الثورة العربية والثورة العراقية لتحسين العسكري، وغيرها.
ويتمثل النوع الثاني في المتصدين للثورة وغير المشاركين فيها، مثل كتابات الضباط والسياسيين والإداريين البريطانيين، أما النوع الثالث يتمثل في كتابات المؤرخين والباحثين والمتابعين.
وبيّن الدكتور مثنى أن النمط الرابع هو من حيث نوع المصدر، والذي يتمثل في كتب التاريخ، وهذا هو المصدر الأبرز والأوسع. أما النوع الثاني هي المذكرات الشخصية، مثل محمد جودت الأيوبي، وناجي شوكت، وسلسلة شهادات وذكريات كامل سلمان الجبوري.
ويردف: النوع الآخر هو السيرة الذاتية، سواء كانت من كتابة أصحابها أو كتابة غيرهم عنهم، منها (بطل الإسلام) للشيخ مهدي الخالصي، و(الشيخ ضاري المحمود قاتل الكولونيل لجمن) لعبد العزيز الحجية وعبد الحميد العلوجي.
أما النمط الخامس أضاف الضاري أنه من حيث لغة المصدر، وتنقسم إلى عربية، وهي الغالبة بحكم الواقع، وغير عربية وهي أقل، ثم أخذت بالتزايد، حيث افتتحها الضباط والسياسيون والإداريون البريطانيون في العراق أثناء الاحتلال، ثم تبعهم الباحثون في الجامعات ومراكز الدراسات من بريطانيين وأمريكان وغيرهم، ثم تبعتها اللغات الأخرى ولا سيما الروسية والفرنسية والتركية واليابانية.

مناهج التوثيق
وقسم مناهج طريقة كتابة تاريخ الثورة وطبيعة الوعاء التي ظهرت فيه أحداثها، ومن هذه الأقسام هي الكتب التاريخية العامة، مثل كتب تاريخ العراق الحديث والمعاصر، وتكون فيها الكتابة عامة ومختصرة، وغالباً ينقل عن المصادر الأصيلة التي وثقت الثورة.
وأكد الضاري أن الكتب التاريخية العامة فيها أخطاء، حيث تنقل عن مصادر وسيطة مع وجود المصادر الأصلية، وغالب من يكتب اليوم في الجامعات العراقية يتخذون من هذه المصادر، مثل كتاب (لمحات اجتماعية) الذي يعد من المصادر الوسيطة وغير الرصينة.
وأضاف بأن القسم الآخر من مناهج مصادر الثورة هي الكتب التاريخية العامة عن الثورة، وهي على نوعين كتب عامة عن قضية ما، وتتضمن الحديث عن ثورة العشرين، والنوع الثاني كتب عامة عن أحداث ثورة العشرين فقط في مختلق ساحاتها وميادينها.
ومن أنماط المناهج أيضاً الكتب الخاصة، ومن ذلك الكتب والدراسات التي اعتنت بدراسة الثورة وبيان جوانبها ببعض مدن أو مناطق البلاد، أو الكتب والدراسات التي كتبت بعد الوصول لمصادر جديدة بعد عقود من نهاية الثورة، أو الكتب التي تضيف لأدبيات الثورة وتاريخها معلومات جديدة ذات قيمة، وتكشف عن وقائع مما لم يكن معلوماً، وكذلك الكتب التي تتناول الثورة في مدن ومناطق معينة.
ولفت الضاري إلى أن بعض المدن حظيت بأكثر من كتاب أو دراسة؛ لكنها لم تفِ تماماً بالإحاطة بوقائع الثورة كما فيها، ومن ذلك بغداد التي تعد عاصمة الثورة؛ وكتبت عنها سابقاً عدة كتب، لكنها لا تفي بأثر المدينة في الثورة والتحضير لها، ونجاحها بحشد باقي المدن لأجل الثورة، فضلاً عن كونها مركز الاتصال والتوجيه بين قادة الثورة السياسيين والمدن والقبائل.

وشهدت المحاضرة قبيل اختتامها مداخلات للحضور من الباحثين والإعلاميين، وتطرقوا إلى الاختلاف والالتباس في مصادر توثيق الثورة وأحداثها، وعمليات التشويه التي طرأت في بعض المصادر من قبل بعض الباحثين، وعلاقة التبعية المذهبية وطبيعة النظام أو الفترة الزمنية التي كتبت هذه المصادر.
كما نوقشت نهاية الجلسة أبرز المصادر التاريخية والباحثين الذي نقلوا ودرسوا في ثورة العشرين ومحطاتها، والوقوف على أبرز النقاط والخلافات حول بعض المصادر، والأسباب التي كانت تقف وراء اختلاف الروايات، سواء كانت سياسية أو مذهبية وغيرها.

Exit mobile version